كتب خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي _
تعدّ المبادرة التي أعلنت عنها مؤسسة الضمان الاجتماعي بدعوة القطاع الخاص للانضمام إلى برنامج خصومات حصرية للمتقاعدين خطوة جيدة تسعى لتخفيف الأعباء المعيشية عن شريحة واسعة تعتمد على دخل تقاعدي ثابت. إلا أن القراءة المتأنية للشروط والآليات المقترحة تكشف عن وجود ثغرات قد تحدّ من تحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين، وتؤثر سلباً على التنافسية في بيئة الأعمال إذا لم تُعالَج بوعي ودراية.
من هنا، أشير إلى عدد من الملاحظات المهمة والمقترحات الكفيلة بتصويب البرنامج:
أولاً: شرط المبيعات السنوية (500 ألف دينار): إجحاف بحق المحال الصغيرة ومناطق الأطراف: إذ إن الاشتراط بأن لا تقل المبيعات السنوية للجهة المشاركة عن 500 ألف دينار أردني يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص، ويوجّه الدعم والترويج للشركات المتوسطة والكبرى "هايبرماركتس" ذات المبيعات والأرباح العالية، بينما يُقصي المتاجر الصغيرة التي تشكل النواة الأساسية للاقتصاد المحلّي.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن هذا الاتجاه يتجاهل الجغرافيا الديمغرافية للمتقاعدين، إذ يُغفل هذا الشرط حقيقة أن أعداداً كبيرة من المتقاعدين يقطنون في القرى والمحافظات والأطراف؛ حيث تغيب المراكز التجارية الضخمة. وبالتالي، يُحرم متقاعدو الأطراف من الاستفادة من المبادرة لعدم وجود فروع لتلك الشركات الكبرى بالقرب من مكان سكنهم، أو يتم زيادة الأعباء عليهم للذهاب إلى مراكز بعيدة عن مناطق سكنهم.
ثانياً: العلاقة مع المؤسسة الاستهلاكية العسكرية: واضح ان هناك غياب للتنسيق مع المؤسة الاستهلاكية العسكرية التي تُعدّ شبكة الأمان الغذائي والاستهلاكي الأولى لشريحة واسعة من المواطنين والمتقاعدين. ولضمان حماية هذا الدور وتجنب الاضطراب في السوق، كان يُفترَض التنسيق المباشر والمسبق معها، وألا يتم إطلاق البرنامج بشكل منفرد من قبل مؤسسة الضمان، بل بالتنسيق الكامل مع المؤسسة الاستهلاكية العسكرية لضمان تنافسية عادلة، وضمان جودة المنتجات المبيعة. إضافة إلى ضمان تكامل المنتجات وليس تضاربها، أي أن يصار إلى إيجاد معادلة لحصر برنامج الخصومات بسلع محددة، قد لا تكون متوفرة في أسواق المؤسسة العسكرية، أو اشتراط أن تكون الأسعار المقدمة في برنامج الخصومات للسلع المماثلة أقل بوضوح من أسعار المؤسسة العسكرية لضمان قيمة مضافة حقيقية للمتقاعد.
ثالثاً: الحوكمة والرقابة:ضرورة الاشتراط على المراكز والمحال المشاركة تقديم كشوفات مشتريات دورية لمؤسسة الضمان من أجل منع ظاهرة "التكييش" وضمان تحقيق البرنامج لأهدافه النبيلة وعدم تحوله إلى مدخل لممارسات خاطئة تضر بمصلحة المتقاعد. لذا ينبغي إدراج الضوابط التالية ضمن شروط الاتفاقات مع المراكز والشركات الداخلة ضمن البرنامج:
١- الالتزام بتقديم كشوفات دورية لمؤسسة الضمان الاجتماعي توضح نوع وحجم مشتريات المتقاعدين، مما يوفر بيانات تساعد في تقييم الأثر الاقتصادي للبرنامج.
٢- وضع نص واضح يمنع أي ممارسات غير قانونية تقوم على البيع الصوري للبضائع لمساعدة المتقاعد في الحصول على نقد (تكييش) بقيمة أقل من البضاعة المشتراة. ويجب إقرار عقوبات حازمة تشمل إلغاء اعتماد الجهة المخالفة وحرمانها من شاشة الترويج على تطبيق المؤسسة.
إن نجاح برنامج الخصومات لا يقاس بحجم الشركات المشاركة بقدر ما يقاس بمدى شموله وعدالته ورقابته.
أخيراً، أرى بأن نجاح مثل هذا البرنامج يحتاج، بالإضافة إلى الملاحظات أعلاه، إلى تفعيل أدوات الرقابة والشفافية للحفاظ على سلامة تطبيق البرنامج ومنع أي انحراف عن أهدافه، ضماناً لحماية المتقاعد والمؤسسة من أي استغلال.