- الملايين تحت مظلة المنظومة التأمينية للضمان الاجتماعي
كتب خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي _
من المثير للدهشة حقاً القفز غير المنطقي وغير المبرر في محاولة ربط "تعديلات قانون الضمان الاجتماعي" أو شروط الاستفادة من المنافع التأمينية بحالة نشوء التطرف أو تغذية الإرهاب.
الطرح الذي قدّمه الزميل الطبيب اليساري محمد الزعبي، في منشور له على الفيسبوك، بغض النظر عن النوايا، يجانب الصواب تماماً، لا بل يقلب الحقائق رأساً على عقب، فالضمان الاجتماعي لم يُصمم ليكون سبباً للفقر أو مدخلاً لتغذية التطرف لا سمح الله، بل وُجد كحائط صدٍّ منيع وصمام أمان لحماية المجتمع من الهزات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تشكّل بيئة خصبة لأي نشاط ينم عن تطرف أو عنف.
ولإزالة أي لبس، أضع أمام الزميل العزيز حقائق وأرقاماً حاسمة أرد بها على استدلاله المقلوب:
أولاً: السؤال البديل بالأرقام: ماذا لو لم يكن لدينا ضمان اجتماعي؟
بعيداً عن التنظير المجرد، دعنا نتساءل، يا صديقي، بلغة الواقع والأرقام المباشرة: ماذا لو لم يكن لدينا نظام ضمان اجتماعي في المملكة بحجم نظام تأميني من الأشخاص المنضوين تحت مظلته يصل إلى 2.2 مليون شخص بشكل مباشر وأكثر من 8 ملايين مواطن بشكل غير مباشر.؟
وإليكم بعض تفاصيله:
١) 1.7 مليون مؤمّن عليه فعال تحت مظلة الحماية الاجتماعية للمنظومة التأمينية.
٢) 425 ألف متقاعد مكّنهم الضمان تراكمياً من الحصول على راتب تقاعدي يسد رمقهم ويصون كرامتهم. ولو ضربنا هذا الرقم في متوسط عدد أفراد الأسرة الأردنية، فنحن نتحدث عن أكثر من مليونين إلى 2.5 مليون مواطن يعيشون تحت مظلة أمن الدخل التي يوفرها التقاعد. فلو لم يكن هؤلاء يتقاضون رواتب تقاعدية اليوم، كيف كان سيكون حال هذه المئات من الآلاف من العائلات؟ ألم تكن ستتحول إلى شريحة هشة معدمة بسهولة، وقد يصبح بعض أبنائها عرضة لليأس والاستغلال والتوظيف غير المشروع.
٣) 180 ألف وريث مستحق يتقاضون أنصبة عن متقاعدين متوفين.
٤) 485 ألف بدل تعطل عن العمل: تم صرفها لمؤمن عليهم تعطلوا عن العمل من منشآت القطاع الخاص المختلفة. هذه الاعداد الكبيرة التي صُرِفت لها مبالغ مالية ضخمة، كانت بمثابة طوق نجاة حقيقي منع سقوط نصف مليون عامل وأسرهم في الفقر المدقع أثناء فترات انقطاع دخلهم بسبب فقدانهم المؤقت لأعمالهم.
٥) 684 ألف إصابة عمل: تعاملت معها المؤسسة ووفرت للمصابين العناية الطبية والتعويضات والتأهيل اللازم. فلولا الضمان، لكان مئات الآلاف من العمال المصابين وأسرهم قد وُجدوا بلا أي أمل أو علاج أو دخل بعد تعرضهم للحوادث، والإعاقات والوفيات الناشئة عن حوادث وإصابات العمل.
ثانياً: الأثر المباشر للتقاعد في محاربة الفقر:
تؤكد الدراسات الموضوعية الصادرة عن مؤسسة الضمان الاجتماعي أن الراتب التقاعدي وحده يسهم في خفض نسبة الفقر في المجتمع الأردني بما لا يقل عن 7%. هذا الأثر المباشر في كسر حدة الفقر وحماية الفئات الضعيفة هو أكبر إثبات بأن مظلة الضمان الاجتماعي، وتوسعها التدريجي، تُعد المصدّ الأهم والرئيس لمعظم حالات النزوع الاجتماعي والاقتصادي إلى العنف أو التطرف، فعندما تصدّ الفقر والحاجة، تصدّ معهما، في الغالب، البيئة الخصبة للعنف والتطرف.
ثالثاً: خلط الأوراق بين التعديلات التشريعية والظواهر الأمنية:
إن محاولة تحميل تعديلات الضمان الاجتماعي وزر بعض الظواهر الفكرية المتطرفة المحدودة في مجتمعنا، أو إقحام ظروف اللجوء والحروب المحيطة (كالأزمة السورية والحرب على غزة) في نصوص قانونية تُنظم الاشتراكات والمنافع، هو خلط غير موضوعي بين التحديات الاقتصادية الهيكلية وبين الظواهر الفكرية والأمنية،
فالأردن يتعامل مع ملف الإرهاب والتطرف من زمن ضمن استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة، واختزال هذه القضية المعقدة في "شروط استحقاق منافع الضمان" يفتقر إلى الدقة، تماماً كما أن إنكار وجود أي تداعيات أمنية فردية لا يعني تضخيم الأمر وتحويل مؤسسة الضمان إلى متهم مُفترَض.!
رابعاً: الضمان كركن أساسي في منظومة العدالة الاجتماعية:
صحيح أن الضمان الاجتماعي وحده غير قادر على احتواء كل الظواهر الاجتماعية أو القضاء المنفرد على كل أشكال العنف، لكنه يمثل الركن الأكثر رسوخاً في منظومة الحماية الاجتماعية التي تتكامل مع أدوات الدولة الأخرى. وكلما خطونا خطوات نحو ترسيخ هذه المنظومة وتوسيع مظلتها بعدالة كلما كان النزوع للعنف أو التطرف أضعف وأقل تأثيراً.
في ضوء كل ما سبق، أقول بأن النقد البنّاء لتعديلات الضمان الاجتماعي بهدف تحسين المنافع وتوسيع الشمول هو حق مشروع ونقاش مقدّر، وكنتُ أكثر من كتب وشارك في النقد وتقديم المقترحات والبدائل، أمّا اتهام مؤسسة تحمي مئات الآلاف من العائلات وتصرف مئات الملايين سنوياً ضمن مسؤوليتها التأمينية في إطار هذه منظومة شبكات الأمان الاجتماعية، بأنه "يغذي الإرهاب"، فهو كلام مردود ومرفوض جملةً وتفصيلاً، لأنه يتناقض مع أرقام الواقع، ويتجاهل الدور الوطني والاجتماعي الذي تلعبه هذه المؤسسة في تعزيز أمن المواطن اجتماعياً واقتصادياً، عبر مسؤوليتها ورسالتها ومن خلال ذراعيها التأميني الاجتماعي والاستثماري التنموي.