رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

خطاب العرش.. حين يضع الملك الدولة أمام مسؤولياتها ويراهن على الأردنيين

خطاب العرش.. حين يضع الملك الدولة أمام مسؤولياتها ويراهن على الأردنيين
جوهرة العرب 

كتب مالك عبيدات  _ ليست أهمية خطابات العرش بما تتضمنه من عناوين سياسية واقتصادية فحسب، بل بما تكشفه من اتجاهات الدولة في المرحلة المقبلة، وما تضعه أمام مؤسساتها من استحقاقات لا تحتمل التأجيل. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني باعتباره رسالة تتجاوز افتتاح الدورة البرلمانية، لتصل إلى جوهر السؤال الأردني اليوم: كيف نحمي الدولة، ونحافظ على مكانتها، ونصنع مستقبلاً يليق بتضحيات الأردنيين وطموحاتهم؟

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، لم يكن ممكناً أن يغيب عن الخطاب موقع الأردن في محيطه، ولا حجم المسؤوليات التي يحملها تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فالأردن لا ينظر إلى ما يجري في فلسطين باعتباره تطوراً سياسياً عابراً أو ملفاً خارجياً قابلاً للتبديل، بل باعتباره قضية ترتبط بالأمن الوطني والضمير السياسي والتاريخي للمملكة.

ومن هنا، فإن ثبات الموقف الأردني في مواجهة الاحتلال وسياساته التوسعية، ورفض محاولات فرض الوقائع على الأرض أو تصفية القضية الفلسطينية، ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل تعبير عن فهم عميق لطبيعة المخاطر التي تستهدف المنطقة، وللمكانة التي يحتلها الأردن في معادلة الاستقرار الإقليمي. فالدولة التي تعرف ثوابتها لا تسمح للضغوط بأن تعيد رسم هويتها السياسية، ولا تتخلى عن مسؤولياتها مهما تبدلت الظروف.

لكن الرسالة الأعمق في خطاب الملك، برأيي، تتعلق بالداخل الأردني، وبضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الملفات إلى مرحلة صناعة النتائج. فالتحديات التي تواجه الدولة لا يمكن التعامل معها بالآليات ذاتها، ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر والانتظار إلى ما لا نهاية، في الوقت الذي تحتاج فيه مؤسسات الدولة إلى مراجعة أدائها، وإلى مسؤولين يمتلكون القدرة على المبادرة واتخاذ القرار وتحمل تبعاته.

لقد أصبح من الضروري أن يدرك كل من يشغل موقعاً عاماً أن المرحلة ليست مرحلة امتيازات ومكاسب شخصية، وأن المسؤولية لا تُقاس بحجم المكتب أو مكانة المنصب، بل بما يتركه صاحبه من أثر في حياة الناس. فالموقع العام ليس ملكاً لمن يجلس عليه، وإنما أمانة مؤقتة، والنجاح الحقيقي للمسؤول يبدأ عندما يشعر المواطن بأن وجوده في موقعه أحدث فرقاً.

وهذه الرسالة تضع الحكومة والإدارة العامة ومجلس الأمة أمام مسؤولية مضاعفة؛ فالأردنيون يريدون مؤسسات قادرة على الاستجابة لتطلعاتهم، ويريدون قرارات تلامس واقعهم الاقتصادي والمعيشي، وفرص عمل حقيقية، وخدمات أفضل، وإدارة لا تتعامل مع الوقت باعتباره مساحة إضافية لتأجيل الحلول.

وفي المقابل، فإن الحديث عن قوة الدولة لا يكتمل من دون الحديث عن المجتمع الذي يشكل ركيزتها الأساسية. وهنا تحديداً تكتسب كلمات جلالة الملك، عندما وصف الأردنيين بأنهم «شعبي وسندي»، دلالة تتجاوز التعبير العاطفي إلى تحديد طبيعة المعادلة الوطنية التي يستند إليها الأردن.

فالرهان على الأردنيين ليس جديداً، ولم يكن يوماً رهاناً خاسراً. هؤلاء الذين وقفوا خلف دولتهم في أصعب الظروف، وحافظوا على تماسكها رغم الأزمات، هم الذين يمنحونها القدرة على الاستمرار ومواجهة التحديات. وعندما يتحدث الملك عن اعتماده عليهم بعد الله في برّ هذه الأرض، فإنه يستحضر مسؤولية جماعية لا تقتصر على الدفاع عن الوطن، بل تشمل المشاركة في بنائه وحماية وحدته وصون مستقبله.

وبرّ الأرض هنا مفهوم يتجاوز الانتماء العاطفي؛ إنه أن يكون المواطن شريكاً في حماية وطنه، وأن يكون المسؤول أميناً على مصالح الناس، وأن تكون المؤسسات في خدمة الدولة لا في خدمة الأشخاص، وأن تتقدم المصلحة الوطنية على كل اعتبار ضيق.

ولعل ما يحتاجه الأردن في هذه المرحلة هو استعادة المعنى الحقيقي للمسؤولية الوطنية، بعيداً عن المزايدات والشعارات والانقسامات. فالنسيج الوطني الواحد ليس مجرد وصف اجتماعي، وإنما ضرورة سياسية وأمنية واقتصادية، لا يمكن التفريط بها في ظل إقليم يبحث عن نقاط الضعف ويستثمر في الأزمات.

إن قوة الأردن لم تكن يوماً في غياب التحديات، بل في قدرته على مواجهتها دون أن يفقد توازنه أو يتنازل عن ثوابته. وهذه القوة تستند إلى علاقة راسخة بين القيادة والشعب، وإلى مؤسسات وطنية يجب أن تكون بمستوى الثقة الممنوحة لها.

خطاب العرش، في جوهره، يضع أمامنا مسؤوليتين متلازمتين: دولة مطالبة بأن تنجز وتطور وتستجيب لتطلعات مواطنيها، ومجتمع مطالب بأن يحافظ على وحدته ويكون شريكاً في حماية وطنه. وبين هاتين المسؤوليتين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.

فالرسالة ليست أن الأردن بلا تحديات، بل أنه يمتلك من الإرادة والقدرات والوعي الوطني ما يؤهله لتجاوزها. وليست أن الثوابت تحتاج إلى من يدافع عنها بالكلام، بل أن حماية هذه الثوابت تستدعي عملاً سياسياً ومؤسسياً وشعبياً متواصلاً.

وفي النهاية، تبقى العبارة الأهم أن الأردن أكبر من المناصب والأشخاص، وأن الأوطان لا يحميها الذين يتسابقون على مواقع المسؤولية، بل الذين يعرفون قيمة الأمانة عندما تصل إليهم. أما الرهان الحقيقي الذي أكده الملك، فهو على شعب لم يتخلَّ عن وطنه، وعلى دولة تعرف أن مستقبلها يُصنع بإرادة أبنائها، وأن الأردن سيبقى وطناً واحداً، عصياً على الانقسام والمساومة.

كلمات دلالية :