كتب خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي _
تنطلق أعمال الدورة العادية لمجلس النواب اليوم وهي تحمل على جدول أعمالها واحداً من أكثر الملفات سخونة وحساسية في الشارع الأردني وهو ملف مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي. هذا المشروع الذي تعثّر وأثار زوبعة من الجدل الشعبي قبيل نهاية الدورة العادية السابقة لمجلس النواب ولم تستطع الحكومة تمريره.
ملف معيشي ولجنة عمل أمام اختبار صعب:
اليوم يعود مشروع القانون إلى الواجهة في توقيت سياسي واقتصادي بالغ الأهمية، فالمشهد التشريعي والرقابي يبدو متغيراً بالكامل، فهناك رئيس جديد لمجلس النواب يمتلك رصيداً وخبرة نقابية واسعة كنقيب سابق لأطباء الأسنان وعضو سابق في مجلس إدارة مؤسسة الضمان، إلى جانب مكتب دائم جديد، ولجنة عمل نيابية جديدة ستجد نفسها أمام اختبار صعب يتعلق بملف الضمان الشائك والمعقّد بما يشكّله من ملفات معيشة وأمن اجتماعي للمواطن، بالتوازي مع إدارة جديدة لمؤسسة الضمان تم إعادة تدويرها.
سيناريوهات التمرير وإعادة التموضع الحكومي:
التقديرات السياسية تشير إلى أن الحكومة ستلجأ إلى إعادة تموضع تكتيكي في مقاربة تستهدف تعاملاً مختلفاً مع ملف تعديلات الضمان، وأعتقد أنها فستسعى لتجنّب الصدام المباشر وتخفيف حدة التعديلات الفاقعة التي أثارت غضب الشارع سابقاً، معتمدة على صياغة تحالفات هادئة تحت القبة مع الكتل النيابية. غير أن المخاوف تتركز على احتمال تمرير "تعديلات قاسية غير مباشرة" تتخفّى في التفاصيل الفنية والتشريعية، وقد يختبىء بعضها بين ثنايا بعض التعديلات البسيطة الدافئة.
ولكن، يبقى السؤال الأهم: هل الهدف هو مجرد تمرير القانون المعدل بأي ثمن؟ أم أن الجوهر الحقيقي يكمن في نضج التعديلات، وعدالتها، وقدرتها على تحقيق الاستدامة وإحداث التوازن الدقيق بينها وبين حماية حقوق الأجيال، بعيداً عن الحلول المؤقتة التي ترحّل الأزمات ولا تحلها؟
خطأ الانكفاء عن الحوار:
المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة ولجنة العمل النيابية قد تكتفيان بمخرجات "الحوارات الموسعة" السابقة، متجنّبتين إعادة إطلاق حوار اجتماعي آخر مع الشارع، أو فتح ملف تشاركية اجتماعية مع النخب ومؤسسات المجتمع المدني من جديد. وهنا، في رأيي، يكمن الخطأ الاستراتيجي. إذ إن أي توضيحات حكومية أو نيابية تُطرح اليوم ستصطدم بحائط من عدم الثقة؛ فالانطباع الراسخ لدى العامة هو أن أي تعديل جديد على هذا القانون الحسّاس لن يصبّ في صالحهم، ما لم يسبقه مسار جاد وعميق من المصارحة والحديث الشفّاف المستند إلى التحليل السليم والتشخيص المنطقي المدعّم بالحقائق لواقع الضمان ومدى دقة مؤشّرات دراساته الإكتوارية.
نحو خارطة طريق لإنقاذ العقد الاجتماعي:
لكي يتحول هذا المشروع من "فتيل أزمة"، لا سمح الله، إلى "صمّام أمان" بإذن الله، لا بد للمشهد التشريعي والتنفيذي أن يغيّر قواعد اللعبة، وأن يرتكز على محاور إصلاحية لا غنى عنها قط، وهي من وجهة نظري تتمثل فيما يلي:
١) حوار وطني حقيقي وشفاف ومحدّد: يبتعد عن الغرف المغلقة، ويُشرك كافة الأطراف المعنية بجدية.
٢) مكاشفة مالية كاملة: عرض حقيقة الوضع المالي الفعلي للضمان والدراسات الإكتوارية بكل شفافية ليدرك الجميع حجم التحديات والأرقام بدقة.
٣) إثبات جدوى الاستثمار: طمأنة المواطنين بالأدلة والأرقام حول أداء استثمارات الضمان وقدرتها الحقيقية على تعزيز الاستدامة التمويلية.
٤) العدالة التأمينية: صون حقوق المشتركين والمتقاعدين بميزان دقيق من العدالة والمساواة.
٥) أمن الدخل والكفاية الاجتماعية: التأكيد على أن الغاية العليا للضمان هي تحقيق الكفاية الاجتماعية المستدامة للمنتفعين وأسرهم، وليس الاكتفاء بـ "الكفاف المعيشي".
٦) كبح السياسات الضارة: وقف أي قرارات حكومية من شأنها تحميل المركز المالي للضمان أعباء لا تخصه. وترشيد الاقتراض الحكومي من أموال الضمان، وتقديم تعهدات عملية وخطوات واضحة لتخفيض نسبة الاقتراض الحكومي، وحماية المحفظة الاستثمارية من المخاطر.
إن مجلس النواب برئاسته الجديدة وبلجنة عمله الجديدة وبمكتبه العام الجديد وبكل كتله المتجدّدة يقفون اليوم أمام اختبار حقيقي خاسم أمام المواطن؛ فإما إقرار تشريعات متوازنة تعيد ترميم الثقة وتحقق الاستدامة، أو الاستمرار في إدارة الملف بعقلية الترقيع التي ستعمق فجوة الثقة أكثر فأكثر بين المواطن ومؤسساته.