رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

مقال / من سوريا إلى أوكرانيا: العالم لا يجب أن ينسى دروس الحرب الكيميائية / بقلم: ميروسلافا شيرباتيوك، سفيرة أوكرانيا لدى الأردن

مقال / من سوريا إلى أوكرانيا: العالم لا يجب أن ينسى دروس الحرب الكيميائية / بقلم: ميروسلافا شيرباتيوك، سفيرة أوكرانيا لدى الأردن

من سوريا إلى أوكرانيا: العالم لا يجب أن ينسى دروس الحرب الكيميائية

جوهرة العرب / مقال بقلم: ميروسلافا شيرباتيوك، سفيرة أوكرانيا لدى المملكة الأردنية الهاشمية

هناك أسلحةٌ يتحدى وجودها في فهمنا للإنسانية. الأسلحةٌ التي لا تُميّز بين جندي ومدني، و التي تُحوّل الهواء الذي نتنفسه إلى أداةٍ للمعاناة، وقد يُعاني ضحاياها آلامًا لا تُوصف.

تنتمي الأسلحة الكيميائية إلى هذه الفئة. لقد دفع إرثها المُرعب المجتمع الدولي إلى تقديم الوعد الرسمي: لن يتكرر ذلك أبدًا. ومع ذلك، يُختبر هذا الوعد اليوم.

بالنسبة للأردن، فإن أهوال الحرب الكيميائية ليست مجرد ذكرياتٍ بعيدةٍ من كتب التاريخ. لقد قرّبت مأساة سوريا المجاورة هذه الأهوال بشكلٍ مؤلمٍ إلى الأردنيين. هزّت صور الأطفال الذين كانوا يُكافحون من أجل التنفس، والآباء اليائسين الذين كانوا يبحثون عن المساعدة، والمجتمعات بأكملها التي دمرتها الهجمات الكيميائية، ضمير العالم. الأردن، الذي فتح أبوابه لمئات الآلاف من السوريين الفارين من الحرب والاضطهاد، يُدرك أكثر من كثيرٍ من الدول التكلفة البشرية للصراع وعواقب التقاعس الدولي.

اليوم، ومع استمرار روسيا في عدوانها على أوكرانيا، يواجه العالم حقيقةً مقلقة للغاية: استخدام المواد الكيميائية المحظورة مجدداً كأدوات حرب.

هل استوعبنا حقاً دروس سوريا؟

عندما يصبح ما لا يُتصور أمراً عادياً

منذ بداية الغزو الروسي الشامل، وثّقت السلطات الأوكرانية نمطاً مقلقاً لاستخدام المواد الكيميائية ضد المدافعين الأوكرانيين. ففي سبتمبر/أيلول 2026، سجّلت أوكرانيا 14009 حادثة استخدام ذخائر روسية تحتوي على مواد كيميائية سامة. وفي 6021 حالة، طلب جنود أوكرانيون المساعدة الطبية بعد ظهور أعراض تتوافق مع التعرّض للمواد الكيميائية.

وراء هذه الأرقام بشرٌ - جنودٌ يكافحون من أجل التنفس، ويعانون من تهيّج شديد وآثار أخرى للتعرّض، بينما يحاولون الدفاع عن وطنهم. هذه ليست مجرد إحصائيات، بل تمثل آلاف اللحظات من المعاناة التي لا مكان لها في الحروب الحديثة. والأدلة تتجاوز ما توصلت إليه أوكرانيا نفسها.

خلال ثلاث زيارات للمساعدة التقنية نُفذت بناءً على طلب أوكرانيا، أكدت مختبرات معتمدة من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وجود غاز CS، وهو عامل مكافحة شغب، في عينات جُمعت على خلفية حوادث مُبلغ عنها. لا داعي للقول أن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تحظر صراحةً استخدام عوامل مكافحة الشغب كأسلوب من أساليب الحرب. وتُقدم نتائج منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أدلة علمية مستقلة تدعم مخاوف أوكرانيا بشأن استخدام المواد الكيميائية المحظورة في ساحة المعركة.

ما يزيد الأمر خطورة هو خطر أن تُصبح هذه الممارسات تدريجياً أمراً طبيعياً، وأن ما كان يُصدم العالم في السابق يُعامل كأسلوب آخر من أساليب الحرب. وقد أظهر لنا التاريخ بالفعل إلى أين يُمكن أن يقودنا هذا التطبيع.

لا يجب نسيان دروس سوريا

يدرك سكان الشرق الأوسط العواقب الوخيمة للحرب الكيميائية.

بين عامي 2014 و2018، أصبحت الهجمات الكيميائية التي استخدم فيها غازا الكلور والسارين في سوريا رمزاً لوحشية ذلك الصراع. وثّقت التحقيقات الدولية استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية، بينما استغلت روسيا مرارااً وتكراراً موقعها في مجلس الأمن الدولي لعرقلة جهود المساءلة الدولية.

أرسل الفشل في ضمان المساءلة الفعّالة رسالةً خطيرة: حتى أخطر انتهاكات المعايير الدولية قد لا تُقابل بعواقب كافية.

بالنسبة لأوكرانيا، لا تُمثّل سوريا مجرد تشابه تاريخي، بل هي تاريخ مُقلق. عندما يتقاعس المجتمع الدولي عن الاستجابة بحزم لاستخدام الأسلحة الكيميائية، يضعف الحظر نفسه. وعندما يعتقد الجناة أن بإمكانهم الإفلات من العقاب، يتزايد خطر وقوع المزيد من الانتهاكات.

قد يعيش ضحايا الهجمات الكيميائية في بلدان مختلفة، ويتحدثون لغات مختلفة، وينتمون إلى ثقافات مختلفة. لكن معاناتهم تُذكّرنا بحقيقة عالمية: الكرامة الإنسانية لا تعرف حدوداً، وكذلك التزامنا بحمايتها. لهذا السبب، يجب ألا يصبح حظر الأسلحة الكيميائية أبداً مسألةً سياسيةً أو تطبيقاً انتقائياً. إنها مسؤولية مشتركة بين جميع الدول.

لا يمكن للقواعد الدولية أن تستمر دون مساءلة

تُعدّ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي اعتُمدت عام ١٩٩٣ ودخلت حيز النفاذ عام ١٩٩٧، من أهم إنجازات المجتمع الدولي في مجال نزع السلاح. وكان هدفها واضحاً: استبعاد إمكانية استخدام الأسلحة الكيميائية ضد البشرية استبعاداً تاماً. وقد بُنيت الاتفاقية على أساس أن بعض أساليب الحرب بالغة القسوة والعشوائية لدرجة لا يمكن قبولها أبداً، بغض النظر عن الظروف السياسية.

ومع ذلك، فإن قوة الاتفاقيات الدولية لا تتجاوز قوة استعداد الدول للدفاع عن مبادئها.

وفي هذا السياق، يثير سجل روسيا مخاوف عميقة.

فإلى جانب أفعالها في أوكرانيا، واجهت روسيا إدانات دولية لاستخدامها مواد كيميائية سامة ضد أفراد، بما في ذلك تسميم سيرغي ويوليا سكريبال في المملكة المتحدة، وتسميم زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني.

وتعكس سلسلة العقوبات الدولية والتدابير التقييدية التي فرضتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي مدى خطورة هذه المخاوف.

ومع ذلك، تواصل روسيا إنكار مسؤوليتها وتوجيه الاتهامات ضد أوكرانيا؛ مما يجعل إجراء تحقيقات دولية مستقلة أمراً لا غنى عنه. إذ تعتمد مصداقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على الأدلة العلمية، والتحقيقات المحايدة، والإجراءات التي لا يمكن التلاعب بها لأغراض سياسية. يجب أن تظل المنظمة مؤسسةً تُعنى بإرساء الحقائق، لا جهةً يمكن استغلال سلطتها لطمس تلك الحقائق.

خيار يتجاوز الدبلوماسية

في نهاية نوفمبر 2026، سيواجه المجتمع الدولي قراراً مهماً.

ستقوم الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية بانتخاب أعضاء المجلس التنفيذي للمنظمة للفترة 2027–2029. وتسعى روسيا -التي أخفقت في الفوز بمقعد في ثلاث دورات انتخابية متتالية- مجدداً للحصول على عضوية هذا المجلس الإداري.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل يمكن ائتمان دولةٍ تثير ممارساتها مخاوف بالغة الخطورة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية على المشاركة في إدارة المنظمة ذاتها المسؤولة عن صون هذه الاتفاقية؟ إن المسألة لا تتعلق بمجرد تمثيل دبلوماسي أو تنافس جيوسياسي، بل تتعلق بالمصداقية، وبالمسؤولية، وبقدرة المؤسسات الدولية على الحفاظ على السلطة الأخلاقية اللازمة لأداء مهامها.

إن السماح لروسيا بالعودة إلى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في ظل هذه الظروف من شأنه أن يبعث برسالة مقلقة للغاية؛ مفادها أن الدول المتهمة بانتهاك القواعد الدولية الأساسية يمكن، رغم ذلك، أن تُؤتمن على صياغة آليات تنفيذ تلك القواعد. ولا يمكن للمجتمع الدولي تحمل مثل هذا الغموض.

وبناءً عليه، تدعو أوكرانيا الدول الأطراف إلى دعم ترشيح كل من بولندا وإستونيا؛ وهما دولتان عضوان مسؤولتان وملتزمتان في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقد أثبتتا باستمرار تفانيهما في احترام القانون الدولي وأهداف اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ولا ينبغي النظر إلى هذا الخيار باعتباره قراراً سياسياً يتعلق بدولة بعينها، بل هو قرار بشأن المعايير التي نتوقع من المؤسسات الدولية أن تلتزم بها.

يجب أن تقترن الذكرى بالمسؤولية

في الثلاثين من نوفمبر من كل عام، يحيي العالم "يوم ذكرى جميع ضحايا الحرب الكيميائية". إنه يوم لتكريم أولئك الذين عانوا وقضوا نحبهم نتيجةً لإخفاق البشرية في منع استخدام بعضٍ من أكثر أسلحتها ترويعاً. لكن التذكر وحده لا يكفي.

لا ​​يمكننا تكريم ضحايا الأمس بينما نغض الطرف عن معاناة اليوم. ولا يمكننا إدانة الهجمات الكيميائية في جزءٍ من العالم، في حين نتعامل مع انتهاكاتٍ مماثلة في أماكن أخرى على أنها واقعٌ مؤسفٌ -ولكن مقبول- من وقائع الحرب. كما لا يمكننا الادعاء بأننا ندافع عن النظام الدولي القائم على القواعد، بينما نسمح بإضعاف هذه القواعد من خلال الإفلات من العقاب.

بالنسبة لشعبيّ سوريا وأوكرانيا، ولكل مجتمعٍ ذاق ويلات الحرب، يجب ألا يظل الوعد بعالمٍ خالٍ من الأسلحة الكيميائية مجرد كلمات. قد تفصل الجغرافيا بين الأردن وأوكرانيا، لكنهما تتشاركان في تقدير قيمة الحياة البشرية، وإدراك أهمية القانون الدولي، والمسؤولية الملقاة على عاتقنا لحماية الأجيال القادمة من مآسي الماضي.

تُتيح الانتخابات المقبلة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) فرصةً للمجتمع الدولي ليُثبت أن هذه المبادئ لا تزال ذات أهمية. وفي نهاية المطاف، لا تتعلق المسألة فحسب بمن سيشغل مقعداً في منظمةٍ دولية، بل تتعلق بمدى استعداد العالم للدفاع عن الوعد الذي قدمه يوماً للبشرية: "ألا يتكرر ذلك أبداً".